التفكير عموما يحدث عندما يوضع الفرد في
مشكلة او موقف لا يجد له حلا فيحث بكافة الاساليب
و الوسائل علي تجاوز العائق الموجود في البيئة و التكيف
التفكير الناقد
مقدمة
يشعر إنسان اليوم بأنه يعيش حياة مضطربة ، فهناك المشكلات المتراكمة التي يواجهها سواء في مجتمعه أو على سطح هذا الكوكب المحدود في موارده و الذي يهدده بالخطر ، فبات عليه أن يقف في وجه هذا التحدي ، و البحث عن العقول الناقدة و المبتكرة لتأتي بحلول جديدة و مثالية ، قد تهدئ من اضطرابه و تخفق من حدة الصراع الذي يعانيه و تساعده على تطوير مجتمعه و تقدمه ، و بذلك أصبحت دراسة التفكير الناقد و الإبداعي بمكوناتهما المختلفة من بين الأمور التي تتحدى الباحثين بشكل عام و المربين بشكل خاص .
لقد أكد توينبي عام 1962م على أهمية تنمية قدرات التفكير الناقد و الإبداعي بالنسبة لأي مجتمع بقوله : " إن إعطاء الفرص المناسبة لنمو الطاقات المفكرة هي مسألة حياة أو موت بالنسبة لأي مجتمع من المجتمعات " .[1]
إن التفكير الناقد ليس موجوداً بالفطرة عند الإنسان ، فمهارته متعلمة و تحتاج إلى مران و تدريب ، و التفكير الناقد لا يرتبط بمرحلة عمرية معينة ، فكل فرد قادر على القيام به وفق مستوى قدراته العقلية و الحسية و التصورية و المجردة . فالتفكير الناقد يتأتى باستخدام مهارات التفكير الأخرى كالمنطق الاستدلالي و الاستقرائي و التحليلي ، ومن الصعب انشغال الذهن بعملية التفكير الناقد دون دعم عمليات تفكير أخرى .
و يعد التفكير الناقد المفتاح لحل المشكلات اليومية التي تواجهنا كمعلمين ، فإذا لم نستخدم التفكير الناقد نصبح جزءاً من المشكلة . و عادة ما يتعرض المعلمون لمواقف يضطرون فيها لصنع القرارات الحاسمة ، والتكيف مع هذه المواقف الجديدة و تحديث المعلومات بشكل مستمر ، هو المبرر للتفكير الناقد .
و في ظل هذه الاهتمامات بالتفكير الناقد كسمة عقلية ضرورية للإنسان ، كان اهتمام هذه الدراسة في تناول هذا النوع من التفكير الإنساني ، و للبحث عن تنمية هذه السمة في الغرفة الصفية .
التربية النقدية
تهدف التربية النقدية إلى تكوين العقل بما يمكنه من إصدار الحكم على الأفكار و التصورات و الأحكام الأخرى لمعرفة مدى انسجامها و اتساقها عقلياً قبل اعتمادها ، فالعقلية النقدية لا تقبل الأمور و الحوادث كما تروى لها ، و لا تسرع إلى تصديقها ، بل تعرضها على ميزان العقل ومحك التجربة لتتحقق من مدى صحتها أو خطئها . لذا ألح ديكارت في قاعدته المشهورة " البداهة "على ألا يسلم المرء بأمر أنه حق ما لم يتأكد بالبداهة أنه كذلك .
و التربية النقدية عكس التلقينية ، فالأخيرة تحيل الإنسان إلى وعاء متلق و تغتال فيه كل تفاعل خلاق ، ويصبح السبيل الوحيد للاندماج في الجماعة هو التسليم الكلي للتصورات و الخضوع للأحكام التي تفرضها القبيلة أو العائلة أو الصحبة ، مع فقدان القدرة على مراجعة الأفكار المسبقة أو إنتاج أفكار جديدة .
و لكي تعمل التربية على تنمية ملكة النقد ينبغي لها استبعاد التلقين ما أمكن ذلك ، باعتباره معيقاً رئيساً و مثبطاً لكل انفعال نفسي و عقلي ، و باعتباره الربيب الأول للامتثال و الخضوع .
و يمكن للمعلم أن يشجع طلابه دوماً على القراءة الفاحصة ، و ينمي قدرتهم على الملاحظة الدقيقة للرسومات و المعطيات ، وألا يتسرع هو في إصدار الأحكام الصائبة و الأحكام الخاطئة التي تصدر كاستجابات من جانب الطلبة ، ليشرك الآخرين و يشجعهم على إعمال العقل و يحتفظ المعلم في النهاية بإيجاز الموقف و إغلاقه بصورة مقنعة و ليظهر أن هذا القرار الصحيح ، هو نتاج للتفكير و المشاركة الجمعية بما فيها المحاولات الخطأ .
مفهوم التفكير الناقد
من خلال استعراض التعريفات المختلفة المنشورة في أدبيات التفكير الناقد ، يلاحظ أن الباحثين يختلفون في تحديد مفهوم التفكير الناقد ، و قد يرجع ذلك إلى اختلاف مناحي الباحثين و اهتماماتهم العلمية من جهة ، و إلى تعدد جوانب هذه الظاهرة و تعقدها من جهة أخرى .
في اللغة : ورد الفعل " نقد" في لسان العرب بمعنى ميز الدراهم و أخرج الزيف منها . فنقد الدراهم أي ميز الذهبية منها ، بمعنى أكتشف الزائفة . كما ورد تعبير " نقد الشعر" في المعجم الوسيط بمعنى أظهر ما فيه من عيب أو حسن. و يفهم من ذلك إظهار المحاسن و العيوب و تنقية و عزل ما حاد عن الصواب .
و من الناحية الفلسفية : نجد أن النقد ينحى إلى شروط العقل و مقاييسه التي تضمن تصورات صحيحه و تعطي قيمة صائبة للأفكار و الأحكام ذاتها .
في الأدب التربوي : هناك عدد من التعريفات التي وردت للتفكير الناقد :
يرجع مفهوم التفكير الناقد في أصوله إلى أيام سقراط التي عرفت معنى غرس التفكير العقلاني بهدف توجيه السلوك . و في العصر الحدث بدأت حركة التفكير الناقد مع أعمال جون ديوي عندما استخدم فكرة التفكير المنعكس و الاستقصاء و في الثمانينات من القرن العشرين بدأ فلاسفة الجامعات بالشعور أن الفلسفة يجب أن تعمل شيئا للمساهمة في حركة إصلاح المدارس و التربية . و من ثم بدأ علماء النفس المعرفيون و التربويون في بناء وجهات النظر الفلسفية المتعلقة بالتفكير الناقد ووضعها في أطر معرفية و تربوية لاستغلال القدرات العقلية و الإنسانية .(عصفور و رفيقه ، 1999) .
على الرغم من تعدد التعريفات للتفكير الناقد و لكن يمكن أن تنظمها صيغتان :
الأولى : توصف بالشخصية و الذاتية : وهي تركز على الهدف الشخصي من وراء التفكير الناقد كما جاء في تعريف انيس(ENNIS) ، حيث هو تفكير تأملي معقول يركز على اتخاذ القرار فيما يفكر فيه الفرد أو يؤديه من أجل تطوير تفكيره و السيطرة عليه ، إنه تفكير الفرد في الطريقة التي يفكر فيه حتى يجعل تفكيره أكثر صحة ووضوحاً و مدافعاً عنه .
و الثانية : تركز على الجانب الاجتماعي من وراء التفكير الناقد ، إذا هو عملية ذهنية يؤديها الفرد عندما يطلب إليه الحكم على قضية أو مناقشة موضوع أو إجراء تقويم . إنه الحكم على صحة رأي أو اعتقاد و فعاليته عن طريق تحليل المعلومات و فرزها و اختبارها بهدف التمييز بين الأفكار الإيجابية والسلبية .
و قد ركز انيس(ENNIS) على افتراضين في تعريفه ( قطامي ، 1990، 699) :
أن التفكير الناقد نشاط ذهني عملي .
يتضمن التفكير الناقد تفكيراً إبداعياً ، يتضمن بدوره صياغة الفرضيات و الأسئلة و الاختبارات و التخطيط للتجارب .
كما و حدد انيس(ENNIS) الصفات العملية الإجرائية للتفكير الناقد على النحو التالي (قطامي ، 1990 ، 707 ) :
1. تقويم المناقشات .. التفسير . معرفة الافتراضات . التقويم .. الاستنباط .
ووضع انيس(ENNIS) غايات المناهج التي تنمي التفكير الناقد ، إذ قسمها إلى نوعين : القابليات ، القدرات .
تعريف واطسون – جلاسر : بأنه فحص المعتقدات و المقترحات في ضوء الشواهد التي تؤيدها و الحقائق المتصلة بها ، بدلا من القفز إلى النتائج .
و يفترض واطسون – جلاسر أن التفكير يتضمن ثلاثة جوانب ، وهي :
1. الحاجة إلى أدلة و شواهد تدعم الآراء و النتائج قبل الحكم على موثوقيتها .
2. تحديد أساليب البحث المنطقي التي تسهم في تحديد قيم ، ووزن الأنواع المختلفة من الأدلة و أيها يسهم في التوصل إلى نتائج مقبولة .
3. مهارات استخدام كل الاتجاهات والمهارات السابقة .
& استعرض نيدلر (قطامي ، 1990، 707) ، (12) مهارة من مهارات التفكير الناقد في مقالته إذ افترض أن معرفة هذه المهارات يمكن أن تغير في بناء المناهج التي تنمي أساليب التفكير الناقد وهي : -
1. القدرة على تحديد المشكلات و المسائل المركزية ، و هذا يسهم في تحديد الأجزاء الرئيسية للبرهان أو الدليل .
2. تمييز أوجه الشبه و أوجه الاختلاف ، وهذا يسهم في القدرة على تحديد الخصائص المميزة ، ووضع المعلومات في تصنيفات للأغراض المختلفة .
3. تحيد المعلومات المتعلقة بالموضوع أو التحقق منها ، و تمييز المعلومات الأساسية عن المعلومات الهامشية الأقل ارتباطاً .
4. صياغة الأسئلة التي تسهم في فهم أعمق للمشكلة .
5. القدرة على تقديم معيار للحكم على نوعية الملاحظات والاستنتاجات.
6. القدرة على تحديد ما إذا كانت العبارات أو الرموز الموجودة مرتبطة معاً ومع السياق العام .
7. القدرة على تحديد القضايا البديهة و الأفكار التي لم تظهر بصراحة في البرهان و الدليل.
8. تمييز الصيغ المتكررة .
9. القدرة على تحديد موثوقية المصادر .
10. تمييز الاتجاهات و التصورات المختلفة لوضع معين .
11. تحديد قدرة البيانات و كفايتها و نوعيتها في معالجة الموضوع .
12. التنبؤ بالنتائج الممكنة أو المحتملة ، من حدث أو مجموعة من الأحداث.
و يرى بول ( قطامي ، 1999) ، أنه يجب على الطلبة أن يعرفوا أن هناك ميلاً طبيعياً لدى الناس لأخذ نظرتنا المتكونة عن الآخرين بعين الاعتبار ، و ينبغي علينا أن نفاضل باستمرار للتغلب على الميل ، ويميز بين " المعنى الضعيف " و المعنى القوي للتفكير الناقد ، إذ أن الأفراد الذين يستخدمون مهارتهم في التحليل و المحاورة و يدفعون من ذلك مهاجمة و تقليل أهمية آراء أولئك الذين لا يتفقون معهم ، إنما يمارسون " المعنى الضعيف " من التفكير الناقد . أما التفكير الناقد ذو المعنى القوي فهو الذي يحرر الفرد من حالة العجز عن إدراك وجهات نظر الآخرين ، ويدرك ضرورة وضع افتراضاته وأفكاره موضع اختبار و فحص قوي الآراء المعارضة آراء و أفكاره .
و يعرف التفكير الإبداعي مقابل ذلك بأنه " القدرة على صياغة الأفكار في مجموعات جديدة لتحقيق هدف ما " ، أما مور فيرى أن التفكير الإبداعي يمكن أن يعرف أن الصياغة الممكنة للمشكلة ، أو توضيح الظاهرة ، بينما يعرف التفكير الناقد بأنه فحص و تقييم هذه الحلول أو التوضيحات و يشبه التفكير الناقد العملية الذهنية التي يؤديها الفرد عندما يطلب إليه الحكم على قضية أو مناقشة موضوع أو إجراء تقييم و يمكن تحديد الخطوات التي يؤديها الفرد عندما يطلب إليه الحكم على قضية أو مناقشة موضوع أو إجراء تقييم و يمكن تحديد الخطوات التي يمكن أن يسير بها المتعلم لكي يتحقق لديه مهارات التفكير الناقد على النحو التالي :
1. جمع سلسلة من الدراسات و الأبحاث و المعلومات و الوقائع المتصلة بموضوع الدراسة.
2. استعراض الآراء المختلفة المتصلة بالموضوع .
3. مناقشة الآراء المختلفة لتحديد الصحيح منها و غير الصحيح .
4. تمييز نواحي القوة و نواحي الضعف في الآراء المتعارضة .
5. تقييم الآراء بطريقة موضوعية بعيدة عن التحيز و الذاتية .
6.البرهنة و تقديم الحجة على صحة الرأي أو الحكم الذي تتم الموافقة عليه .
7. الرجوع إلى مزيد من المعلومات إذ ما ستدعى البرهان و الحجة ذلك .
تعريفات أخرى ( أنظر جروان ، 1999م ) :
& بريال : يرى أن التفكير التأملي هو جزء من التفكير الناقد أو أحد مظاهره ، إذ يعتبره مجموعة من التخيلات البعيدة عن الأشياء الحسية ، الأفكار المنطقية التي تسير وفق الأسلوب والطريقة التقليدية ( السير من المقدمة للوصول إلى التعميم ) . كما يرى أن معظم النظريات العلمية المشهورة كانت قد بدأت كفكرة تأملية تخيلية بعيدة عن الواقع و المنطق ، لهذا يرى أنه يمكن تنمية الإبداع لدى الطلبة وكذلك لتهيئة الفرص أمامهم لممارسة الحرية في التفكير بالأشياء المألوفة ووضع بدائل و احتمالات للأشياء المستحيلة .
التفكير الناقد هو فحص و تقييم الحلول المعروضة .
التفكير الناقد : هو حل المشكلات أو التحقق من الشيء و تقييمه بالاستناد إلى معايير متفق عليها مسبقاً .
التفكير الناقد : هو التفكير الذي يتطلب استخدام المستويات المعرفية العليا في تصنيف بلوم ، و هي التحليل و التركيب و التقويم .
يعرف سميث : بأنه مفهوم عام يعود إلى مهارات مختلفة مطلوبة للحكم على صحة المعلومات الواردة فيها و دقتها .
و يعرف جون ديوي في كتابه (كيف نفكر ) بالقول : " أنه التمهل في إعطاء الأحكام و تعليقها لحين التحقق من الأمر "
و في ضوء ما ورد من تعريفات للتفكير الناقد ، فإن الباحثان يتبنيان تعريف واطسون – جلسر ، والمتفق عليه في موسوعة علم النفس التربوي ، كما يمكن التوصل إلى الاستنتاجات التالية :
صعوبة وضع تعريف محدد للتفكير الناقد ، حيث عرفه البعض بأنه منهج في التفكير ، و عرفه آخرون بأنه مجموعة من المهارات ، بينما عرفه فريق ثالث اعتبره عمليات عقلية .
التفكير الناقد سلوك فردي ، علمية التفكير فيه تتضمن خطوات حل المشكلة .
على الرغم من تعدد التعريفات للتفكير الناقد ، إلا أنها تلتقي في قواسم مشتركة منها :
تقييم الأدلة المتوفرة و مصادر المعلومات .الابتعاد عن القفز إلى النتائج .
توفر الفرص للتدريب على صنع القرارات .استخدام العقل بفاعلية عالية .
ما هو الجديد عن التفكير الناقد ؟ (Alfaro – Lefevre , 1995, 13 ).
& أظهرت نتائج الدراسات الحديثة أن نتائج اختبارات الذكاء لا تعبر حقيقة عن مستوى الذكاء ، و أن هناك الكثير من مظاهر الذكاء التي تؤثر في التفكير الناقد لا تقيسها اختبارات الذكاء .
& اصبح تعليم التفكير الناقد حاجة ملحة ، و ممارسة مهارات التفكير تساعدنا على أن نصبح مفكرين بشكل أفضل .
& إن المعلومات الواردة من علم الأعصاب و تشريح الدماغ تشير إلى أن الدماغ يشبه العضلة ، و كلما استخدمناه أصبح أكثر فعالية .
& إن الأساليب الجديدة في التفاعل مع المعلومات خلال المحاضرات و القراءات و النقاشات الجماعية لتعزيز التعلم و الفهم تؤكد أن التفكير الناقد فاعل و ليس سلبياً .
& إن الاهتمامات الشخصية و الميول مثله مثل العامل الجمالي و التشويقي لها الدور الفاعل في تطوير الاتجاهات اللازمة للتفكير .
& زيادة الاهتمام بعمليات التفكير المنطقي تؤدي إلى الاهتمام بمعرفة كيفية صنع القرارات و الاستنتاجات و توضيح طبيعة مثل هذه القرارات و الاستنتاجات .
& التركيز على فهم وجهات النظر الأخرى و استخدام وجهات نظر مختلفة لتطوير القدرة على التفكير المنطقي ، فالعقول المفكرة ليست بالضرورة متشابهة .
& القناعة المتزايدة بفكرة " أن ليس هناك طريق واحد للحل " و فكرة " أن ليس هناك جواباً واحداً صحيحاً " بعبارة أخرى أن كل جواب صحيح في سياقه المناسب .
& الاعتراف المتزايد بفكرة الأخطاء المفيدة و بفكرة أن الفشل المرحلي هو ثمن النجاح و التطور . و الاقتناع بعمليات المشاركة في الخطأ و التي تساعد الآخرين على تجنب نفس الأخطاء .
& تطوير استراتيجيات جديدة تساعد على الاستفادة من آلية عمل دماغنا و هذا ما يتضمن كيفية : حفظ المعلومات في الذاكرة طويلة الأمد ، تشكيل عادات جيدة للاستقصاء
مشكلة او موقف لا يجد له حلا فيحث بكافة الاساليب
و الوسائل علي تجاوز العائق الموجود في البيئة و التكيف
التفكير الناقد
مقدمة
يشعر إنسان اليوم بأنه يعيش حياة مضطربة ، فهناك المشكلات المتراكمة التي يواجهها سواء في مجتمعه أو على سطح هذا الكوكب المحدود في موارده و الذي يهدده بالخطر ، فبات عليه أن يقف في وجه هذا التحدي ، و البحث عن العقول الناقدة و المبتكرة لتأتي بحلول جديدة و مثالية ، قد تهدئ من اضطرابه و تخفق من حدة الصراع الذي يعانيه و تساعده على تطوير مجتمعه و تقدمه ، و بذلك أصبحت دراسة التفكير الناقد و الإبداعي بمكوناتهما المختلفة من بين الأمور التي تتحدى الباحثين بشكل عام و المربين بشكل خاص .
لقد أكد توينبي عام 1962م على أهمية تنمية قدرات التفكير الناقد و الإبداعي بالنسبة لأي مجتمع بقوله : " إن إعطاء الفرص المناسبة لنمو الطاقات المفكرة هي مسألة حياة أو موت بالنسبة لأي مجتمع من المجتمعات " .[1]
إن التفكير الناقد ليس موجوداً بالفطرة عند الإنسان ، فمهارته متعلمة و تحتاج إلى مران و تدريب ، و التفكير الناقد لا يرتبط بمرحلة عمرية معينة ، فكل فرد قادر على القيام به وفق مستوى قدراته العقلية و الحسية و التصورية و المجردة . فالتفكير الناقد يتأتى باستخدام مهارات التفكير الأخرى كالمنطق الاستدلالي و الاستقرائي و التحليلي ، ومن الصعب انشغال الذهن بعملية التفكير الناقد دون دعم عمليات تفكير أخرى .
و يعد التفكير الناقد المفتاح لحل المشكلات اليومية التي تواجهنا كمعلمين ، فإذا لم نستخدم التفكير الناقد نصبح جزءاً من المشكلة . و عادة ما يتعرض المعلمون لمواقف يضطرون فيها لصنع القرارات الحاسمة ، والتكيف مع هذه المواقف الجديدة و تحديث المعلومات بشكل مستمر ، هو المبرر للتفكير الناقد .
و في ظل هذه الاهتمامات بالتفكير الناقد كسمة عقلية ضرورية للإنسان ، كان اهتمام هذه الدراسة في تناول هذا النوع من التفكير الإنساني ، و للبحث عن تنمية هذه السمة في الغرفة الصفية .
التربية النقدية
تهدف التربية النقدية إلى تكوين العقل بما يمكنه من إصدار الحكم على الأفكار و التصورات و الأحكام الأخرى لمعرفة مدى انسجامها و اتساقها عقلياً قبل اعتمادها ، فالعقلية النقدية لا تقبل الأمور و الحوادث كما تروى لها ، و لا تسرع إلى تصديقها ، بل تعرضها على ميزان العقل ومحك التجربة لتتحقق من مدى صحتها أو خطئها . لذا ألح ديكارت في قاعدته المشهورة " البداهة "على ألا يسلم المرء بأمر أنه حق ما لم يتأكد بالبداهة أنه كذلك .
و التربية النقدية عكس التلقينية ، فالأخيرة تحيل الإنسان إلى وعاء متلق و تغتال فيه كل تفاعل خلاق ، ويصبح السبيل الوحيد للاندماج في الجماعة هو التسليم الكلي للتصورات و الخضوع للأحكام التي تفرضها القبيلة أو العائلة أو الصحبة ، مع فقدان القدرة على مراجعة الأفكار المسبقة أو إنتاج أفكار جديدة .
و لكي تعمل التربية على تنمية ملكة النقد ينبغي لها استبعاد التلقين ما أمكن ذلك ، باعتباره معيقاً رئيساً و مثبطاً لكل انفعال نفسي و عقلي ، و باعتباره الربيب الأول للامتثال و الخضوع .
و يمكن للمعلم أن يشجع طلابه دوماً على القراءة الفاحصة ، و ينمي قدرتهم على الملاحظة الدقيقة للرسومات و المعطيات ، وألا يتسرع هو في إصدار الأحكام الصائبة و الأحكام الخاطئة التي تصدر كاستجابات من جانب الطلبة ، ليشرك الآخرين و يشجعهم على إعمال العقل و يحتفظ المعلم في النهاية بإيجاز الموقف و إغلاقه بصورة مقنعة و ليظهر أن هذا القرار الصحيح ، هو نتاج للتفكير و المشاركة الجمعية بما فيها المحاولات الخطأ .
مفهوم التفكير الناقد
من خلال استعراض التعريفات المختلفة المنشورة في أدبيات التفكير الناقد ، يلاحظ أن الباحثين يختلفون في تحديد مفهوم التفكير الناقد ، و قد يرجع ذلك إلى اختلاف مناحي الباحثين و اهتماماتهم العلمية من جهة ، و إلى تعدد جوانب هذه الظاهرة و تعقدها من جهة أخرى .
في اللغة : ورد الفعل " نقد" في لسان العرب بمعنى ميز الدراهم و أخرج الزيف منها . فنقد الدراهم أي ميز الذهبية منها ، بمعنى أكتشف الزائفة . كما ورد تعبير " نقد الشعر" في المعجم الوسيط بمعنى أظهر ما فيه من عيب أو حسن. و يفهم من ذلك إظهار المحاسن و العيوب و تنقية و عزل ما حاد عن الصواب .
و من الناحية الفلسفية : نجد أن النقد ينحى إلى شروط العقل و مقاييسه التي تضمن تصورات صحيحه و تعطي قيمة صائبة للأفكار و الأحكام ذاتها .
في الأدب التربوي : هناك عدد من التعريفات التي وردت للتفكير الناقد :
يرجع مفهوم التفكير الناقد في أصوله إلى أيام سقراط التي عرفت معنى غرس التفكير العقلاني بهدف توجيه السلوك . و في العصر الحدث بدأت حركة التفكير الناقد مع أعمال جون ديوي عندما استخدم فكرة التفكير المنعكس و الاستقصاء و في الثمانينات من القرن العشرين بدأ فلاسفة الجامعات بالشعور أن الفلسفة يجب أن تعمل شيئا للمساهمة في حركة إصلاح المدارس و التربية . و من ثم بدأ علماء النفس المعرفيون و التربويون في بناء وجهات النظر الفلسفية المتعلقة بالتفكير الناقد ووضعها في أطر معرفية و تربوية لاستغلال القدرات العقلية و الإنسانية .(عصفور و رفيقه ، 1999) .
على الرغم من تعدد التعريفات للتفكير الناقد و لكن يمكن أن تنظمها صيغتان :
الأولى : توصف بالشخصية و الذاتية : وهي تركز على الهدف الشخصي من وراء التفكير الناقد كما جاء في تعريف انيس(ENNIS) ، حيث هو تفكير تأملي معقول يركز على اتخاذ القرار فيما يفكر فيه الفرد أو يؤديه من أجل تطوير تفكيره و السيطرة عليه ، إنه تفكير الفرد في الطريقة التي يفكر فيه حتى يجعل تفكيره أكثر صحة ووضوحاً و مدافعاً عنه .
و الثانية : تركز على الجانب الاجتماعي من وراء التفكير الناقد ، إذا هو عملية ذهنية يؤديها الفرد عندما يطلب إليه الحكم على قضية أو مناقشة موضوع أو إجراء تقويم . إنه الحكم على صحة رأي أو اعتقاد و فعاليته عن طريق تحليل المعلومات و فرزها و اختبارها بهدف التمييز بين الأفكار الإيجابية والسلبية .
و قد ركز انيس(ENNIS) على افتراضين في تعريفه ( قطامي ، 1990، 699) :
أن التفكير الناقد نشاط ذهني عملي .
يتضمن التفكير الناقد تفكيراً إبداعياً ، يتضمن بدوره صياغة الفرضيات و الأسئلة و الاختبارات و التخطيط للتجارب .
كما و حدد انيس(ENNIS) الصفات العملية الإجرائية للتفكير الناقد على النحو التالي (قطامي ، 1990 ، 707 ) :
1. تقويم المناقشات .. التفسير . معرفة الافتراضات . التقويم .. الاستنباط .
ووضع انيس(ENNIS) غايات المناهج التي تنمي التفكير الناقد ، إذ قسمها إلى نوعين : القابليات ، القدرات .
تعريف واطسون – جلاسر : بأنه فحص المعتقدات و المقترحات في ضوء الشواهد التي تؤيدها و الحقائق المتصلة بها ، بدلا من القفز إلى النتائج .
و يفترض واطسون – جلاسر أن التفكير يتضمن ثلاثة جوانب ، وهي :
1. الحاجة إلى أدلة و شواهد تدعم الآراء و النتائج قبل الحكم على موثوقيتها .
2. تحديد أساليب البحث المنطقي التي تسهم في تحديد قيم ، ووزن الأنواع المختلفة من الأدلة و أيها يسهم في التوصل إلى نتائج مقبولة .
3. مهارات استخدام كل الاتجاهات والمهارات السابقة .
& استعرض نيدلر (قطامي ، 1990، 707) ، (12) مهارة من مهارات التفكير الناقد في مقالته إذ افترض أن معرفة هذه المهارات يمكن أن تغير في بناء المناهج التي تنمي أساليب التفكير الناقد وهي : -
1. القدرة على تحديد المشكلات و المسائل المركزية ، و هذا يسهم في تحديد الأجزاء الرئيسية للبرهان أو الدليل .
2. تمييز أوجه الشبه و أوجه الاختلاف ، وهذا يسهم في القدرة على تحديد الخصائص المميزة ، ووضع المعلومات في تصنيفات للأغراض المختلفة .
3. تحيد المعلومات المتعلقة بالموضوع أو التحقق منها ، و تمييز المعلومات الأساسية عن المعلومات الهامشية الأقل ارتباطاً .
4. صياغة الأسئلة التي تسهم في فهم أعمق للمشكلة .
5. القدرة على تقديم معيار للحكم على نوعية الملاحظات والاستنتاجات.
6. القدرة على تحديد ما إذا كانت العبارات أو الرموز الموجودة مرتبطة معاً ومع السياق العام .
7. القدرة على تحديد القضايا البديهة و الأفكار التي لم تظهر بصراحة في البرهان و الدليل.
8. تمييز الصيغ المتكررة .
9. القدرة على تحديد موثوقية المصادر .
10. تمييز الاتجاهات و التصورات المختلفة لوضع معين .
11. تحديد قدرة البيانات و كفايتها و نوعيتها في معالجة الموضوع .
12. التنبؤ بالنتائج الممكنة أو المحتملة ، من حدث أو مجموعة من الأحداث.
و يرى بول ( قطامي ، 1999) ، أنه يجب على الطلبة أن يعرفوا أن هناك ميلاً طبيعياً لدى الناس لأخذ نظرتنا المتكونة عن الآخرين بعين الاعتبار ، و ينبغي علينا أن نفاضل باستمرار للتغلب على الميل ، ويميز بين " المعنى الضعيف " و المعنى القوي للتفكير الناقد ، إذ أن الأفراد الذين يستخدمون مهارتهم في التحليل و المحاورة و يدفعون من ذلك مهاجمة و تقليل أهمية آراء أولئك الذين لا يتفقون معهم ، إنما يمارسون " المعنى الضعيف " من التفكير الناقد . أما التفكير الناقد ذو المعنى القوي فهو الذي يحرر الفرد من حالة العجز عن إدراك وجهات نظر الآخرين ، ويدرك ضرورة وضع افتراضاته وأفكاره موضع اختبار و فحص قوي الآراء المعارضة آراء و أفكاره .
و يعرف التفكير الإبداعي مقابل ذلك بأنه " القدرة على صياغة الأفكار في مجموعات جديدة لتحقيق هدف ما " ، أما مور فيرى أن التفكير الإبداعي يمكن أن يعرف أن الصياغة الممكنة للمشكلة ، أو توضيح الظاهرة ، بينما يعرف التفكير الناقد بأنه فحص و تقييم هذه الحلول أو التوضيحات و يشبه التفكير الناقد العملية الذهنية التي يؤديها الفرد عندما يطلب إليه الحكم على قضية أو مناقشة موضوع أو إجراء تقييم و يمكن تحديد الخطوات التي يؤديها الفرد عندما يطلب إليه الحكم على قضية أو مناقشة موضوع أو إجراء تقييم و يمكن تحديد الخطوات التي يمكن أن يسير بها المتعلم لكي يتحقق لديه مهارات التفكير الناقد على النحو التالي :
1. جمع سلسلة من الدراسات و الأبحاث و المعلومات و الوقائع المتصلة بموضوع الدراسة.
2. استعراض الآراء المختلفة المتصلة بالموضوع .
3. مناقشة الآراء المختلفة لتحديد الصحيح منها و غير الصحيح .
4. تمييز نواحي القوة و نواحي الضعف في الآراء المتعارضة .
5. تقييم الآراء بطريقة موضوعية بعيدة عن التحيز و الذاتية .
6.البرهنة و تقديم الحجة على صحة الرأي أو الحكم الذي تتم الموافقة عليه .
7. الرجوع إلى مزيد من المعلومات إذ ما ستدعى البرهان و الحجة ذلك .
تعريفات أخرى ( أنظر جروان ، 1999م ) :
& بريال : يرى أن التفكير التأملي هو جزء من التفكير الناقد أو أحد مظاهره ، إذ يعتبره مجموعة من التخيلات البعيدة عن الأشياء الحسية ، الأفكار المنطقية التي تسير وفق الأسلوب والطريقة التقليدية ( السير من المقدمة للوصول إلى التعميم ) . كما يرى أن معظم النظريات العلمية المشهورة كانت قد بدأت كفكرة تأملية تخيلية بعيدة عن الواقع و المنطق ، لهذا يرى أنه يمكن تنمية الإبداع لدى الطلبة وكذلك لتهيئة الفرص أمامهم لممارسة الحرية في التفكير بالأشياء المألوفة ووضع بدائل و احتمالات للأشياء المستحيلة .
التفكير الناقد هو فحص و تقييم الحلول المعروضة .
التفكير الناقد : هو حل المشكلات أو التحقق من الشيء و تقييمه بالاستناد إلى معايير متفق عليها مسبقاً .
التفكير الناقد : هو التفكير الذي يتطلب استخدام المستويات المعرفية العليا في تصنيف بلوم ، و هي التحليل و التركيب و التقويم .
يعرف سميث : بأنه مفهوم عام يعود إلى مهارات مختلفة مطلوبة للحكم على صحة المعلومات الواردة فيها و دقتها .
و يعرف جون ديوي في كتابه (كيف نفكر ) بالقول : " أنه التمهل في إعطاء الأحكام و تعليقها لحين التحقق من الأمر "
و في ضوء ما ورد من تعريفات للتفكير الناقد ، فإن الباحثان يتبنيان تعريف واطسون – جلسر ، والمتفق عليه في موسوعة علم النفس التربوي ، كما يمكن التوصل إلى الاستنتاجات التالية :
صعوبة وضع تعريف محدد للتفكير الناقد ، حيث عرفه البعض بأنه منهج في التفكير ، و عرفه آخرون بأنه مجموعة من المهارات ، بينما عرفه فريق ثالث اعتبره عمليات عقلية .
التفكير الناقد سلوك فردي ، علمية التفكير فيه تتضمن خطوات حل المشكلة .
على الرغم من تعدد التعريفات للتفكير الناقد ، إلا أنها تلتقي في قواسم مشتركة منها :
تقييم الأدلة المتوفرة و مصادر المعلومات .الابتعاد عن القفز إلى النتائج .
توفر الفرص للتدريب على صنع القرارات .استخدام العقل بفاعلية عالية .
ما هو الجديد عن التفكير الناقد ؟ (Alfaro – Lefevre , 1995, 13 ).
& أظهرت نتائج الدراسات الحديثة أن نتائج اختبارات الذكاء لا تعبر حقيقة عن مستوى الذكاء ، و أن هناك الكثير من مظاهر الذكاء التي تؤثر في التفكير الناقد لا تقيسها اختبارات الذكاء .
& اصبح تعليم التفكير الناقد حاجة ملحة ، و ممارسة مهارات التفكير تساعدنا على أن نصبح مفكرين بشكل أفضل .
& إن المعلومات الواردة من علم الأعصاب و تشريح الدماغ تشير إلى أن الدماغ يشبه العضلة ، و كلما استخدمناه أصبح أكثر فعالية .
& إن الأساليب الجديدة في التفاعل مع المعلومات خلال المحاضرات و القراءات و النقاشات الجماعية لتعزيز التعلم و الفهم تؤكد أن التفكير الناقد فاعل و ليس سلبياً .
& إن الاهتمامات الشخصية و الميول مثله مثل العامل الجمالي و التشويقي لها الدور الفاعل في تطوير الاتجاهات اللازمة للتفكير .
& زيادة الاهتمام بعمليات التفكير المنطقي تؤدي إلى الاهتمام بمعرفة كيفية صنع القرارات و الاستنتاجات و توضيح طبيعة مثل هذه القرارات و الاستنتاجات .
& التركيز على فهم وجهات النظر الأخرى و استخدام وجهات نظر مختلفة لتطوير القدرة على التفكير المنطقي ، فالعقول المفكرة ليست بالضرورة متشابهة .
& القناعة المتزايدة بفكرة " أن ليس هناك طريق واحد للحل " و فكرة " أن ليس هناك جواباً واحداً صحيحاً " بعبارة أخرى أن كل جواب صحيح في سياقه المناسب .
& الاعتراف المتزايد بفكرة الأخطاء المفيدة و بفكرة أن الفشل المرحلي هو ثمن النجاح و التطور . و الاقتناع بعمليات المشاركة في الخطأ و التي تساعد الآخرين على تجنب نفس الأخطاء .
& تطوير استراتيجيات جديدة تساعد على الاستفادة من آلية عمل دماغنا و هذا ما يتضمن كيفية : حفظ المعلومات في الذاكرة طويلة الأمد ، تشكيل عادات جيدة للاستقصاء
تعليقات