هل هناك علاقة بين الإبداع والقيادة؟
في كتابه" المائة "، يشير الكاتب هارت(1985) إلى الإسهامات الخالدة التي قدمها هؤلاء الأشخاص المائة للثقافة الإنسانية، لا في عصرهم فحسب، وإنما في العصور التي تلته. إن هؤلاء الأفراد البارزين من المبدعين والقادة، يشتركون في امتلاكهم لخاصيّة العبقرية. وهذه العبقرية تقاس من خلال مقدار التأثير الذي خلفته على المعاصرين واللاحقين.
وتعريف العبقرية لا يميزّ بين الإبداع والقيادة. فحين نضع أشهر المبدعين وأشهر القادة تحت الفحص، فإن ذلك الفرق بين الإبداع والقيادة يختفي، لأن الإبداع يُصبح شكلاً من أشكال القيادة. فالمبدعون هم قادة ثقافيون.
وقد كان لأفكار آينشتاين النظرية تأثيرها البالغ على زملائه من علماء الطبيعة بشكل خاص، وعلى المجتمع العلمي بشكل عام. وكذلك كان تأثير بيتهوفن على الموسيقى وميكل أنجلو على النحت وشكسبير على الدراما، تأثيراً كبيراً في زمانهم هم، وفي الأجيال التالية لهم. فالمبدعون المشهورون، هم قادة في الشؤون الفنية والعلمية.
ونحن لو استعرضنا الإنجازات التي قدّمها المبدعون على مدار التاريخ، لأدركنا تأثيرها المباشر وغير المباشر على الأجيال المتعاقبة جيلاً بعد جيل. حتى أننا نكاد نراهم ونسمعهم ونتمثلهم أمامنا.
وسواء كان هؤلاء الأشخاص مبدعين في المجال السياسي أو الفني أو العلمي أو غير ذلك، فإن تأثيرهم علينا يظلّ كبيراً.
وأهم ما يميزّ هؤلاء المبدعين، أنّ تأثيرهم لا يقتصر على شعب دون آخر، وإنما يمتدّ ليشمل جميع شعوب العالم.
ولو تتبعنا التاريخ، لعرفنا كم كان للعرب تأثير على الثقافة الأوروبية في مجال الطب والفلك والموسيقى والرياضيات وغيرها من الفنون. وفي الوقت نفسه، تأثرنا نحن العرب بالإنجازات التي حققها مبدعون عالميون من شعوب أخرى.
وأيّ إنجاز يُقدَّم للبشرية ويجري تعميمه، يتحوّل إلى فكر أو علم أو فن، يمتزج في العقل الإنساني للفرد، حيث يتحول إلى جزء حميم من فكر وعلم وثقافة ذلك الفرد.
وأي اختراعٍ مبدع، يتحوّل إلى أداة يستخدمها الآخرون، أو يقودهم إلى تطويره والبناء عليه في مزيد من الاختراعات التي تخدم البشرية كلها.
وليس غريباً إذن أن يُعتَبر المبدعون قادة الحاضر والمستقبل، للأجيال المتعاقبة. وكلما كان إنجازهم أكثر أهميّة، كان حضورهم أكثر تأثيراً. حتى أن برامز، وهو أحد المبدعين في الموسيقى، فسّر توقفه عن كتابة إحدى سيمفونياته مدّة اثني عشر عاماً بقوله:" إنك لن تستطيع أن تعرف كيف يشعر أمثالنا، عندما نسمع وقع أقدام عملاق مثل بيتهوفن خلف ظهورنا"
مما يشير إلى أن هؤلاء المبدعين يظلون حاضرين في أذهان من يتأثرون بإنجازاتهم على مدى الزمان والمكان.
العلاقة بين الإبداع والإدارة المدرسية:
لابد من الاقتناع بأن الإدارة المدرسية مهنة لها قواعدها ومتطلباتها ومعاييرها وأن المدير بحاجة إلى أن تتوافر لديه خصائص وصفات من أجل القيام بها على الوجه السليم والفعال. وقد أكد الباحثون على أهمية أن يتصف القائد التربوي بالمبادأة والقدرة على الخلق والإبداع وأن يكون القائد مصدرًا لكل الأفكار الجديدة، وأن يكون قادرا على توفير المناخ الذي يعين أفراد المجموعة على المشاركة الخلاقة والمبادرة والإبداع، بما يظهره لهم من محبة وبما يقدمه لهم من أفكار نيرة ومقترحات ملهمة تستثير تفكيرهم المبدع وتشحذ هممهم للعمل والقائد التربوي لابد من أن يتميز أيضًا بالقدرة أو الكفاءة الذكاء المرتفع، القدرة على التحليل والاستبصار، الطلاقة اللغوية، المرونة والأصالة، القدرة على تقديم الأفكار وإصدارالأحكام، القدرة على فهم المشكلات وطرح الحلول، القدرة على التعامل مع مقتضيات التغيير، الجرأة في إبداء المقترحات، المثابرة، المبادأة، الطموح، القدرة على التعامل مع الأزمات والطوارئ ونرى أن الغالبية العظمى من هذه السمات تدخل ضمن السمات الشخصية للمبدعين، مما يؤكد أهمية امتلاك القائد التربوي للقدرة على الإبداع والابتكار.
الإبداع كمهارة أساسية لمدير المدرسة:
يحتاج الإداري التربوي إلى توفر مجموعة من المهارات الأساسية اللازمة لأي إداري ناجح، ومنها:
أولا: المهارات الفنية: وهي المعرفة المتخصصة في فرع من فروع العلم، والكفاءة في استخدام هذه المعرفة بشكل يحقق الهدف بفاعلية. ومن أهم السمات المرتبطة بهذه المهارات : القدرة على تحمل المسئولية، الفهم العميق الشامل للأمور، الحزم، الإيمان بالهدف.
ثانيا: المهارات الإنسانية: تعني قدرة القائد على التعامل مع المعلمين وتنسيق جهودهم وخلق روح العمل الجماعي بينهم، وهذا يتطلب وجود الفهم المتبادل بينه وبين العاملين ومعرفة آرائهم وميولهم واتجاهاتهم.
ثالثا: المهارات الإدراكية: وتعني قدرة القائد على رؤية التنظيم الذي يقوده، وفهمه للترابط بين أجزائه ونشاطاته، وقدرته على تصور وفهم علاقات المعلم بالمدرسة وعلاقات المدرسة بالمجتمع.
رابعا: المهارات الذاتية: وتشمل بعض القدرات اللازمة في بناء شخصية الأفراد ليصبحوا قادة،ومنها:
أهداف الإدارة المدرسية الإبداعية :
تسعى الإدارة المدرسية المبدعة إلى تحقيق الأهداف التالية:-
1- استخدام الطرق المبدعة في عملية التعليم/التعلم لجميع المراحل، ابتداء من رياض الأطفال حتى طلبة الدراسات العليا. بحيث يتم التركيز على تعلم المهارات من أجل المستقبل.
2- إتاحة الفرصة لجميع فئات الطلبة لمعرفة: كيف يُفكرون وكيف يتعلمون وكيف يستمتعون بكل ما يتعلمونه، وكيف يُطبقون أساليب تحسين الإبداع وأساليب العصف الذهني واستثارة التفكير الناقد والتفكير الإبداعي. ومن ثمّ مكافأة السلوك الإبداعي للطلبة، وإعلان ذلك في وسائل الإعلام.
3- حث الطلبة على ممارسة مهارات القيادة ،واستراتيجيات التفكير الناقد، والتفكير الإبداعي. وذلك عن طريق تفعيل مهارات التفكير من خلال أساليب التدريس ودمج التفكير في جميع البرامج المدرسية.
4- تشجيع الطلبة على استخدام مهارات القراءة ، والأساليب الفعّالة في التعلم الذاتي المستقل، و استخدام جميع أنماط التكنولوجيا المتوفرة التي تُساعدهم على التعلم مدى الحياة.
5- استمرار تطوير المناهج من أجل تعليم التفكير، وإمكانية الجمع بين استراتيجيات التفكير، والتفاعل مع العديد من المواقف الحياتية. وذلك من خلال إعادة هيكلة المناهج التعليمية في صورة جديدة، تُساعد على تدريب الطلبة على استخدام تطبيقات مهارات التفكير والاستكشاف والمناقشة والتحليل والدفاع عن الآراء والمعتقدات الشخصيّة والعمليات العقلية المعرفية.
6- ضرورة الاهتمام بعمليتي القراءة الإبداعية والكتابة الإبداعية، لأنهما من أعقد الأنشطة العقلية. إذ تتطلب كلٌّ منهما: التمييز السمعي والبصري، حلّ المشكلات ، والتقويم ، وإصدار الأحكام، والتخيّل والإستنتاج، وتوظيف اللغة في مواقف جديدة، للتعبير عن أفكار جديدة، خالية من الأخطاء الإملائية، وغير ذلك مما يتعلق بالنحو والصرف وقواعد اللغة.
7- خلق بيئة تُشجّع على التفكير الناقد، وتخصيص وقت للمناقشة. وإعداد الطلبة ليُصبحوا أصحاب قدرة كبيرة على التفكير الناقد، والقراءة الناقدة. وذلك بتضمين المناهج المدرسية تعيينات خاصّة بذلك، بحيث تشمل الحكم الجيد، واتخاذ القرار الصحيح، والقدرة على تكوين المفاهيم وعمليات التصنيف وتعزيز دور الإبداع. حيث أن تعليم التفكير الناقد يُشجّع الطلبة على التساؤل والبحث والاستفهام والمناقشة والتحليل واكتشاف نقاط القوة والضعف في التفكير، وتقويم المشكلات والعقبات والتعامل معها بعقلية مُتفتحة وناضجة.
إن إدارة المدرسة المبدعة تسير بسياسة استقلالية نابعة من واقع عملها. لها حرية في اختيار موضوعات المنهج، ولها إرادة في تثبيت لائحتها الداخلية، وتتمتع بمرونة في تطبيقها. ومن ثم فليس المدير من طراز عين السلطة وخفير نظامها وليس هو القائد الذي يتفرد ويسود.
إن الإدارة الجديدة تضع سياسة منهجية مخططة، وتساندها في مجالات التنفيذ مجالس مدرسية متعاونة لها سلطاتها الحقيقية ومسئولياتها النوعية ورؤيتها الذاتية، ويعمل كل فرد في إطار من الحرية المهنية التي تدعم مبدأ احترام الذات وتقدير الاجتهاد وديمقراطية القرار. وإدارة مثل هذه سوف يكون لها أهداف مختلفة عن أهداف الإدارة البيروقراطية المعنية بحرفية تنفيذ الخطة الدراسية وتوزيع المواد والحصص، واحترام مواقيت الدروس وساعات العمل، ومراعاة الضبط والنظام في الفصل، وأداء الامتحانات وتسجيل نتائجها.
تعليقات